ابن قيم الجوزية

205

الروح

فصل [ الرد على القول بأن ثواب النفقة بالحج يصل فقط ] وأما قولكم أنه يصل إليه في الحج ثواب النفقة دون أفعال المناسك فدعوى مجردة بلا برهان السنّة تردها ، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « حج عن أبيك » ، وقال للمرأة : « حجي عن أمك » ، فأخبر أن الحج نفسه عن الميت ، ولم يقل أن الإنفاق هو الذي يقع عنه . وكذلك قال للذي سمعه يلبي عن شبرمة : « حج عن نفسك . ثم حج عن شبرمة » . ولما سألته المرأة عن الطفل الذي معها فقالت : ألهذا تحج ؟ قال : « نعم » ، ولم يقل إنما له ثواب الإنفاق ، بل أخبر أن له حجا ، مع أنه لم يفعل شيئا ، بل وليه ينوب عنه في أفعال المناسك : ثم إن النائب عن الميت قد لا ينفق شيئا في حجته غير نفقة معلقة ، فما الذي يجعل نفقة ثواب نفقة مقامه للمحجوج عنه ، وهو لم ينفقها على الحج بل تلك نفقة أقام أو سافر ، فهذا القول ترده السنّة والقياس واللّه أعلم . فصل [ التلفظ بإهداء العمل ] فإن قيل : فهل تشترطون في وصول الثواب أن يهديه بلفظه أم يكفي في وصوله مجرد نية العامل أن يهديها إلى الغير . قيل السنّة : لم تشترط التلفظ بالإهداء في حديث واحد بل أطلق صلى اللّه عليه وآله وسلم الفعل عن الغير كالصوم والحج والصدقة ولم يقل لفاعل ذلك وقل اللهم هذا عن فلان ابن فلان واللّه سبحانه يعلم نية العبد وقصده بعلمه فإن ذكره جاز وإن ترك ذكره واكتفى بالنية والقصد وصل إليه ولا يحتاج أن يقول اللهم إني صائم غدا عن فلان ابن فلان ، ولهذا واللّه أعلم اشترط من اشترط نية الفعل عن الغير قبله ليكون واقعا بالقصد عن الميت . فأما إذا فعله لنفسه ثم نوى أن يجعل ثوابه للغير لم يصر للغير بمجرد النية كما لو نوى أن يهب أو يعتق أو يتصدق لم يحصل ذلك بمجرد النية . ومما يوضح ذلك أنه لو بنى مكانا أن يجعله مسجدا أو مدرسة أو ساقية ونحو